الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
394
أنوار الفقاهة في أحكام العترة الطاهرة (كتاب النكاح)
والإنصاف : أنّ مقتضى القاعدة كون آية المائدة مخصّصة لآية البقرة ، ولاسيّما مع كون سورة المائدة متأخّرة في النزول عن البقرة ؛ على ما هو المعروف ، ولازم ذلك جواز نكاح نساء أهل الكتاب نكاحاً دائماً ، أو منقطعاً . وأمّا نسخ آية المائدة بآية البقرة ، فلا يمكن إلّابناءً على تأخّر آية البقرة في النزول ، وتقدّم آية المائدة ، وفي هذا الفرض أيضاً الأمر يدور بين التخصيص والنسخ ؛ أي نسخ حكم الجواز ، أو تخصيص المنع وبقاء حكم الجواز ، كما ذكرناه في محلّه في الأصول . بل نقول : إنّ التخصيص في هذه الصورة أيضاً مقدّم على النسخ ؛ لكثرته وقلّة النسخ جدّاً . والحاصل : أنّه لو كانت آية المائدة متأخّرة ، لا ينبغي الإشكال في التخصيص ، وأمّا لو كانت متقدّمة فيدور الأمر بينه وبين النسخ ، والترجيح مع التخصيص . فتلخّص : أنّه لو كان الدليل على الحرمة آية البقرة ، أمكن الجواب عنه بوجوه مختلفة . هذا . ولكن في موثّقة الحسن بن الجهم قال : قال لي أبو الحسن الرضا عليه السلام : « يا أبامحمّد ، ما تقول في رجل تزوّج نصرانية على مسلمة ؟ » قال : قلت : وما قولي بين يديك ! ! قال : « لتقولنّ ؛ فإنّ ذلك يعلم به قولي » قلت : لا يجوز تزويج النصرانية على مسلمة ، ولا غير مسلمة . قال : « ولِمَ ؟ » قلت : لقول اللَّه عزّ وجلّ : وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ . قال : « فما تقول في هذه الآية : وَالُمحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ اوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ ؟ » قلت : فقوله : وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ نسخت هذه الآية ، فتبسّم ، ثمّ سكت « 1 » . ولكن لا يعلم : أنّ تبسّم الإمام عليه السلام وسكوته كان من باب الرضا والقبول ، أو من باب نفي هذا الكلام وعدم التصريح به لبعض المصالح ؛ بل هو من باب القبول ولذا
--> ( 1 ) . وسائل الشيعة 20 : 534 ، كتاب النكاح ، أبواب ما يحرم بالكفر ، الباب 1 ، الحديث 3 .